القائمة إغلاق

كتاب اخر أيام محمد – هالة الوردي – ت نضال حمدان – منشورات الجمل

كتاب اخر أيام محمد – هالة الوردي – ت نضال حمدان – منشورات الجمل

كتاب اخر أيام محمد - هالة الوردي
كتاب اخر أيام محمد – هالة الوردي

 

كتاب اخر أيام محمد – هالة الوردي – ت نضال حمدان – منشورات الجمل

آخر أيام محمد – هالة الوردي

 

منشورات الجمل

ترجمة :نضال حمدان

 

تحقيق في الموت الغامض للنبي

 

HELA OUARDI: LES DERNIERS JOURS DE MUHAMMAD

Editions Albin Michel – Paris 2016

Al-Kamel Verlag 2025

 

توطئة كتاب اخر أيام محمد – هالة الوردي 

ارسم لي نبيًا

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ…﴾ [سورة الكهف، الآية: ١١٠]

المدينة المنورة. الاثنين ٨ حزيران/يونيو ٦٣٢(١). الشمس المتأوّجة في كبد السماء تلهب الأفق، لكن قَيظ هذا اليوم الصيفي في شبه الجزيرة العربية كان لطيفًا مقارنة بالحمّى التي تلتهم جسد النبي. أبو القاسم، كما يحلو لخلانه تسميته، مضطجع في فراشه يحتضر. منذ بضعة أيام خلت وعائلته وصحابته وجميع المسلمين يعلمون أن النبي يُشرف على النهاية. جو ثقيل يخيم على المدينة المنورة والتوتر في كل مكان منها محسوس. لا يعلم محمّد بأي شيء مما يدور في الخارج، فهو منذ فترة أصبح رهينة مُرقده لكنه، ومن خلال اضطراب أزواجه وأصحابه، يدرك أنهم يراقبون أنفاسه. أما هو ففي عالم آخر، لا يفكر إلا في اللحظة التي ستُخلصه من عذاب هذا الاحتضار؛ فهو لم يعد قادرًا حتى على الأنين، ويرجو الله بصمت كي يُدّخره إلى جواره.

في هذا اليوم بالذات، كان الجو هادئًا بشكل غريب ومحمد بمفرده مع زوجته عائشة، التي كان والدها أبو بكر، صديق الرسول الحميم، قد زاره في الصباح الباكر زيارة خاطفة، ثم قصد منزله بالسنح، على مقربة من المدينة. أما عمر بن الخطاب، فكان يذرع المكان أمام باب حجرة الرسول جينة وذهابًا، وهو يشد على ذرته بيد مرتعشة. في هذا الوقت، كان الأنصار مجتمعين حول سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة بعيدًا عن حرارة الشمس وعن أعين الفضوليين، وقد بدأوا الاستعداد لما بعد محمد.

في آخر النهار، فارق النبي الحياة ورأسه في حجر عائشة «بين سخرها ونحرها»(). نزل خبر الوفاة على المدينة كالصاعقة، وهرول المسلمون إلى بيت أبي القاسم في حال من الهلع، وفي أذهانهم ما قاله لهم الرسول، في بداية الدعوة عندما كان ينذرهم باقتراب الساعة. كان البعض يصرخ غير مصدق النبأ: «لا يمكن أن يكون قد مات! ألم يقل لنا إنه سيكون شهيدًا() علينا يوم القيامة؛ وكان البعض الآخر في حيرة.

من أمره همس «إن الساعة قد أتت!». وارتفعت أمام حجرة الرسول ضوضاء عارمة، صراخًا وبكاءً، مرفوقة بتدافع هذا وذاك، فيما الوجوه مُخْتَفِقَة من شدة الحر وهول الفجيعة.

وعندما رأى عمر بن الخطاب هيجان هذا الحشد، صاح في القوم بصوته الجهوري: إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تُوُفّي؛ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات؛ والله ليرجعنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رجع موسى، فليُقَطَّعَنّ أيدي رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات , كان عمر يصرخ ويضرب الهواء بيديه ويخبط الأرض بقدميه. فاستعراض القوة هذا كان أسلوبه المعتمد للإقناع!

في هذه الأثناء، وصل أبو بكر من السنح ودخل بسرعة إلى حجرة خليله محمد وطبع قبلة على جبينه ثم خرج فورًا وحاول تهدئة عمر. ثم وبكل رصانة وثقة في النفس، توجه إلى الحشد قائلاً: «أيها الناس؛ إنه من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات؛ ومن كان يعبد الله فإن الله حي. لا يموت»(**)، ثم أضاف: «يقول الله في القرآن: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ…﴾ [سورة آل عمران، الآية: ١٤٤]». غريب أمر هذه الآية القرآنية؛ لا يذكر أي من الحاضرين ولا حتى عمر، أنه سمعها قبلاً! وعلى وقع كلمات أبي بكر، سكت الكل وتفرق الجمع، واتجه كل إلى منزله، مقفلاً بابه ومتوجسًا مما سيحدث لاحقًا. خيم صمت رهيب على المدينة، لم يسمع منه إلا صوت نباح بعيد…

مر يومان على وفاته، والنبي لما يُدفن بعد، فجثمانه المسجّى «عليه بُرد حِبرَة» ملقى على السرير منذ الاثنين. انتظرت عائلة أبي القاسم يوم الأربعاء لتبدأ تحضيرات الدفن. وفي وقت متأخر من المساء، دخل علي الحجرة المأتمية مصحوبًا بأفراد آخرين من العائلة: عباس بن عبد المطلب، وولدداه الفضل وقثم، وعقيل بن أبي طالب، شقيق علي، وأسامة بن زيد، مولى محمد الملقب بـ «الحب ابن الحب»، وشقران خادمه.

وعملاً بتوصيات محمد، تولى علي الغسل ووارى الجثمان الثرى في الليلة نفسها؛ وسينقل عن عائشة قولها إنها ما علمت بدفن الرسول إلا لما سمعت «صوت المساحي من جوف ليل الأربعاء»(**). كيف ذلك؟ أمن المعقول أنها لم تعلم بأن زوجها يُدفن في حجرتها التي مات فيها؟ وأين اختفى أبو بكر وعمر بن الخطاب خليفتا المستقبل؟ يبدو أن كل صحابة محمد قد تبخروا فجأة؛ حتى عندما حان وقت حفر القبر، لم يمرّ علي أبي عُبَيدة الجراح، وهو أحد المهاجرين المعتمد. اختفاؤه هو الآخر أمر مريب.

لماذا لم يدفن محمد يوم وفاته؟ ألم يأمر أتباعه بالإسراع في لَحْدِ موتاهم؟ ما من كتاب واحد من المصادر الإسلامية يفيدنا بمعلومة تبرّر تأخير دفن الرسول، وتفسّر هذا الغموض الذي يحيط باليومين اللذين أهمل خلالهما جثمان محمد. عادة ما تكون كتب التراث الإسلامي ثرثارة، عالمة بأدق تفاصيل حياة الرسول وصحابته، ولكن عندما ننتظر منها تفسيرًا للغموض الذي يحوم حول هذه اللحظة المفصلية، تصبح فجأة بكماء وفاقدة للذاكرة. وعلى امتداد يومين بل ربما أكثر، يفرغ مسرح التاريخ فجأة من الممثلين الذين كانوا قبل دقائق قليلة في اهتياج وامتياج. وكما في المأساة الإغريقية القديمة، لا يبقى وسط الركح إلا جسد رجل بلا روح ممدّد فوق سريره. من الاثنين وحتى ليل الأربعاء، بدا زمن البشر كأنه توقف ولكن زمن الطبيعة واصل مساره الحتمي، وبدأ جثمان محمد بالتحلل وانبعثت رائحة كريهة من داخل حجرته المغلقة سرعان ما ملأت أرجاء المكان. ويا لسخرية الأقدار! كان محمد مولعًا بأرفع أنواع العطور، وها هو التعفّن ينال اليوم من جسده المسجّى تحت الرداء وفي ظل لامبالاة الجميع.

كيف لنا أن نفهم هذه الإهانة التي طالت النبي الذي تُرك جسده يتعفّن في مشهد منفر! أَيُعْقَل أن تكون الدسائس السياسية والهرولة وراء الخلافة قد شغلت الأذهان حدّ نسيان صحابته أداء أدنى واجب تقتضيه صيانة الكرامة البشرية ومراعاة حرمة الميت. هذا غَيْضٌ من فَيْضِ أسئلة يحاول هذا الكتاب الإجابة عنها من خلال «تحقيق» حول الأسابيع الأخيرة من حياة محمد، وفترة احتضاره، وكذلك حول الساعات الأولى.

 

يمرّ علي أبي عُبَيدة الجراح، وهو أحد المهاجرين المعتمد. اختفاؤه هو الآخر أمر مريب. لماذا لم يدفن محمد يوم وفاته؟ ألم يأمر أتباعه بالإسراع في لَحْدِ موتاهم؟ ما من كتاب واحد من المصادر الإسلامية يفيدنا بمعلومة تبرّر تأخير دفن الرسول، وتفسّر هذا الغموض الذي يحيط باليومين اللذين أهمل خلالهما جثمان محمد. عادة ما تكون كتب التراث الإسلامي ثرثارة، عالمة بأدق تفاصيل حياة الرسول وصحابته، ولكن عندما ننتظر منها تفسيرًا للغموض الذي يحوم حول هذه اللحظة المفصلية، تصبح فجأة بكماء وفاقدة للذاكرة. وعلى امتداد يومين بل ربما أكثر، يفرغ مسرح التاريخ فجأة من الممثلين الذين كانوا قبل دقائق قليلة في اهتياج وامتياج. وكما في المأساة الإغريقية القديمة، لا يبقى وسط الركح إلا جسد رجل بلا روح ممدّد فوق سريره.

من الاثنين وحتى ليل الأربعاء، بدا زمن البشر كأنه توقف ولكن زمن الطبيعة واصل مساره الحتمي، وبدأ جثمان محمد بالتحلل وانبعثت رائحة كريهة من داخل حجرته المغلقة سرعان ما ملأت أرجاء المكان. ويا لسخرية الأقدار! كان محمد مولعًا بأرفع أنواع العطور، وها هو التعفّن ينال اليوم من جسده المسجّى تحت الرداء وفي ظل لامبالاة الجميع.

كيف لنا أن نفهم هذه الإهانة التي طالت النبي الذي تُرك جسده يتعفّن في مشهد منفر! أَيُعْقَل أن تكون الدسائس السياسية والهرولة وراء الخلافة قد شغلت الأذهان حدّ نسيان صحابته أداء أدنى واجب تقتضيه صيانة الكرامة البشرية ومراعاة حرمة الميت. هذا غَيْضٌ من فَيْضِ أسئلة يحاول هذا الكتاب الإجابة عنها من خلال «تحقيق» حول الأسابيع الأخيرة من حياة محمد، وفترة احتضاره، وكذلك حول الساعات الأولى التي تلت وفاته. إن ما سنعرضه في هذا الكتاب، سيفتح الباب على تساؤلات أخرى حول نهاية محمد المليئة بالغموض، ومنها: لماذا مُنع من كتابة وصيته قبل ثلاثة أيام على وفاته؟ وما كان تحديدًا السبب في موته؟

إن هذه الصورة الفظيعة لجثمان الرسول المهمل من قبل أقرب المقربين إليه (أولئك الذين سيحكمون باسمه بناء على العلاقة المتميزة التي كانت تربطهم به) موجودة في المصادر الإسلامية هي نفسها؛ بل إن هذه الصورة المأساوية لا تزال، في اعتقادنا، مسيطرة على اللاوعي الجماعي للمسلمين، أو على عقلهم الباطني، وهي تتناقض تمامًا مع التقديس القريب من التأليه، الذي يحظى به النبي محمد اليوم.

لا شك في أن الجيل الأول من المسلمين ما كان يعتبر محمدًا شخصية مقدسة بل هو نفسه كان دائمًا يذكر مريديه بأنه إنسان، وهذا ما يقوله الله في القرآن: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ…﴾ [سورة الكهف، الآية: ١١٠]. أما اليوم، فقد وصل تقديس المسلمين لنبيهم أبعد الحدود، لدرجة تحوّل معها في بعض الحالات، إلى هوس جنوني مرفوق بوسواس التجديف، وهو ما يوحي بأن عشق المسلمين لمحمد سَجَنَهُ في هالة من التقديس وحفظه، وهذا ما جعل منه كائنًا غير بشري تقريبا.

إننا أبعد ما نكون اليوم عن زمن محمد؛ إذ، وفي غضون ألف وأربعمائة عام، أصبح بالنسبة إلى الكثيرين من المؤمنين، فكرة مجردة تصمد بقوة أمام كل محاولات التجسيد. من هنا، أزعجت الرسوم الكاريكاتورية المسلمين إلى أقصى الحدود، ووصل الأمر في بعض الحالات إلى العنف الإجرامي. والسبب في ردة الفعل العنيفة هذه لا يكمن فحسب في أن الرسوم الشقيقة ساخرة، بل في وضعها الإصبع على ما.

نعتقده نقطة ضعف في الإسلام، أي تحريمه القاطع لتصوير النبي (١). وفي عصرنا هذا الذي تهيمن الصورة عليه، لم يعد رفض «الأيقونات» في الإسلام حكمًا باليًا فحسب، بل مؤشرًا واضحًا على مفارقة تاريخية يجسّد بعدها المأساوي ردّ الفعل العنيف على تلك الرسوم الكاريكاتورية.

قد نجانب الصواب إن عزوْنا الفعل الإجرامي المفترض به الثأر للنبي، إلى بضعة أفراد من ذوي «العقول المصابة بالكلل»، كما كان يقول «فولتير» (Voltaire)؛ فهذه الذئاب ليست في الحقيقة منفردة وإنما هي الجزء البارز من جبل جليدي، لكمونها في الامتثال الديني الذي يمكن اعتباره الشريك الصامت في الجريمة. في الواقع، إن المسلمين الذين يعتقدون صادقين نوعًا ما إنه من غير المقبول الرد بالرصاص على قلم رصاص، يجدون أيضًا إنه من غير المقبول أن يكون محمد محور سخرية في صورة كاريكاتورية، بل وأن يُرسم نبيهم أصلاً.

في الواقع، إن إسلام ما يسمى بالمسلمين «المعتدلين»، كما إسلام المتعصبين السفاحين يحملان عبء ممنوع مقدس واحد يُحرِّم كل تجيد للنبي(١). ذلك أن كل المسلمين، المسالمون منهم والعدائيون، وجدوا أنفسهم أمام الرسوم الساخرة عاجزين عن الرد من خلال نشر صور جميلة تعظم نبيهم؛ لأن دينهم يُحرِّم عليهم التصوير (٢).

إن لهذه العلاقة بالصورة دلالة عميقة لكونها مؤشرًا على علاقة معقدة بالذاكرة(٣). وحدها الموضوعية في إعادة التشكيل التاريخي هي التي تمكننا من تجاوز ثنائية «المعتدل» و«المتطرف»، التي تفصل بطريقة خيالية ومانوية بين المسلم الصالح والمسلم الطالح، إذ كل من المسلم «المعتدل» والمسلم «المتطرف» يتهم الآخر بتشويه الإسلام، لينتهي بهما الأمر إلى نقطة الصفر العقيمة، حيث كل فريق يُبَطِّل فعل الآخر. هل بإمكاننا القول إن معضلة المسلمين اليوم تكمن في أن نبيهم قد أضحى.

رجلاً بلا ظل، كائنًا بلا وجه بشري، مفصولاً عن التاريخ وعن التمثل؟

وماذا لو وجب على إصلاح الإسلام أن يكون إصلاحًا جماليًا لا فقهيًا؟

يسعى هذا الكتاب تحديدًا إلى تقديم صورة بشرية للنبي محمد، من خلال رسم ملامح رجل من دم ولحم مثلنا (وكذلك الشأن بالنسبة إلى المحيطين به). وفي هذا الصدد، لم نجد أفضل من الانكباب على الحقبة الأخيرة من حياة رجل أصبح سجينًا لجسده المريض، واعيًا ضعفه، لكي تبرز بشكل جلي إنسانيته.

وفي سردية آخر أيام محمد، نجد كل المكونات التي نجدها عادة في نهاية كل شخصية تاريخية مؤثرة: سلطان تهاوى إثر هزيمة عسكرية مدوّية أمام الجيوش البيزنطية؛ محاولات اغتيال استهدفته؛ تدخلية مفرطة لمحيطه العائلي في شؤون الحكم؛ وصراع حامي الوطيس في محيطه القريب ساعة احتضاره قصد إرث ملكه وثروته الضخمة.

وفي خضم هذه الدوامة من المطامع، بقي محمد رجلاً وحيدًا يواجه طمع صحابته الضاري. وبهذا، نصل إلى الاستنتاج الأزلي الذي لا يمسه تغيير، والقائل إن الدين في غالب الأحيان ليس إلا ستارًا تحتجب وراءه المطامع البشرية.

من ناحية أخرى، يمكننا تحليل موقف الصحابة الأكثر قربًا من النبي المحتضر (ونعني بهم تحديدًا كلاً من أبي بكر وعمر، وقد كانا المرشّحَيْن الأوفر حظًا لخلافته) المنشغلين بشكل محموم حول مضجعه، بإلقاء الضوء على الظروف الأليمة التي انبثقت دولة الخلافة في ظلها. ذلك أن بوادر الشقاقات والصراعات الداخلية التي مزّقت الإسلام منذ أربعة عشر قرنًا، كانت مرتبة بوضوح أيام احتضار محمد.

نتطلع من خلال سرد الأيام الأخيرة من حياة محمد، إلى اقتلاع الرجل من الأسطورة الملحمية-الدينية التي طمر تحتها وإرجاعه إلى التاريخ، أي إلى «الزمن البشري»، كما يقول المستشرق جاك بيرك (Jacques Berque) (١). ولا بد من القول في هذا الصدد إن هذا النهج قد فرض نفسه علينا لبداهته؛ إذ، وبناء على ما أشار إليه إرنست رينان (Ernest Renan)، كان محمد «شخصية تاريخية حقًا» (٢). ولنذكر القارئ بأن النبي عاصر كلاً من فلافيوس أغسطس هرقل (Héraclius)، إمبراطور بيزنطية، ودجوبيرت الأول (Degobert l) (٣)، ملك الفرنج، والبابا بونيفاس الخامس (Boniface V). غير أننا نتبين أن الجذور التاريخية للإسلام ماضية في الغوص في رمال الدوغماتية المتحركة. فعلى ممر القرون، بدا أن انغلاق الإسلام على نفسه في «تمثل مطلق»، هو السبب اليوم في رفض [هذا الدين] «التوافق منطقه مع زمن الآخرين» (٣)، وذلك بناء على ما تشير إليه المؤرخة جاكلين شابي (Jacqueline Chabbi). ولما كانوا يرفضون النظر إلى أنفسهم إلا في المرآة المجمّلة التي تقدمها لهم مصادرهم، يعتقد المسلمون بقدرتهم على اختزال تاريخهم بل ومستقبلهم في وهم الأزلية والمعصومية. ولانعدام قدرته على قبول نفسه كجزء من الزمن البشري، يبدو الإسلام كأنه يتقدم بخطى ثابتة باتجاه الطريق المؤدي إلى الخروج من التاريخ- وهو الخروج عينه الذي جابهه الدين الجديد منذ نحو أربعة عشر قرنًا، يوم مات محمد. في الواقع، إن بدا لنا الفصل الأخير من حياة النبي مهمًا بما يكفي ليخصنا على سبر أغواره، فلأنه يضعنا أمام اللحظة الحاسمة التي واجه فيها الإسلام حقًا «نهاية للتاريخ»؛ فبالنسبة إلى أتباعه، كان محمد «نبي آخر الزمان»، ولم يكن موته في نظرهم إلا مؤشرًا على الاقتراب الحتمي لنهاية العالم.

شكل موت محمد أزمة حقيقية وفتحت استمرار الإسلام على المحك وهو فصل يبدو كأنه تتكثف فيه جذور حالة التعسّر التي يعرفها الإسلام في صلب الحداثة. ومن شأن هذا الأمر أن يمكّننا من تحليل تصرفات بعض المسلمين الذين جَيَّشَهُم الجنون الأخروي الكارثي، وجعلهم يستعجلون الخروج من التاريخ، فراحوا يجرّون العالم إلى ملاقاة القيامة، فارضين علينا مشهديتها المروّعة في مسرحة كابوسية، تقزز لها النفوس وتقشعر لها الأبدان.

إن هؤلاء الذين يمكن تشبيههم بالمسيح الدجال، والبادين لنا كأنهم يخرجون علينا من زمن آخر والذين، لتشدّدهم الديني العنيف، الرافض للاختلاف والمحطّم المسعور للصورة، يرهبوننا ويروعوننا، ليسوا تجسيدًا لانحرافات على توجه متعصّب فحسب، بل إن هؤلاء المسلمين يعملون جاهدين على إعادة إحياء الأخروية الأولية، التي أُسِّست بلا شك للعقيدة الدينية في الإسلام.

يعتمد السرد المقترح في هذا الكتاب والهادف إلى تقصّي الوقائع المتصلة بآخر أيام محمد، على القرآن ومجمل المصادر الإسلامية، السنية منها والشيعية، التي تحتوي كما هائلاً من الروايات والمعلومات.

المتعلّقة باحتضار النبي وموته (١). وإذ نستند في هذا البحث إلى مقارنة الروايات المختلفة الموجودة في كتب الأحاديث والسير وكذلك في تفاسير القرآن، وكتب التاريخ والتراجم، نذكر القارئ بأن هذه المصادر المرجعية الوافرة العدد ليست معاصرة للأحداث التي ترويها، وإنما هي متأخرة عليها بقرن ونيف في أحسن الحالات (٢). وما خلا طابعها المتأخر، تتميز المصادر الإسلامية بخصائص أدبية فريدة نوعًا ما: فهي عندما تتطرق إلى حدث ما، تقدّمه في روايات مختلفة مُجزَّأة وصادرة عن رواة متعدّدين. وفي هذه الكتب «المتعددة الأصوات»، يكتفي مؤلفوها بإيراد الروايات في الحدث الواحد، رواية تلو الأخرى، حتى وإن تباينت فيما بينها، بل قل تناقضت وتنافرت. ولعل المثل الأبلغ على هذا النهج هو ما صرّحت به عائشة التي تقول طورًا إن زوجها قُتِل بالسم وطورًا إنه تُوُفّي جرّاء إصابته بذات الجنب.

وفي ظل هذه المتباينات وتلك المتناقضات، يهدف عملنا إلى جمع شذرات الألغاز بحيث نعطي للسرديات المتشظّية والروايات المتباعدة التي نجدها في المصنّفات الإسلامية، شكلاً سرديًا متسلسلاً. مما لا شك.

في أن التاريخ الإسلامي، وخاصة كل ما اتصل منه بسيرة النبي، خاضع للمنحى التمجيدي التقديسي. لكن هذا التاريخ، وهنا مكمن التناقض الأكبر فيه، يبدو منشغلاً ببناء شيء من الحقيقة التاريخية. لذا، يعترينا الاستغراب عندما نلاحظ أن وقائع بإمكانها خدش صورة آل محمد وصحابته، قد استُبْقِيتْ في المصنفات المفترض بها تقديم صورة مثالية عن الجيل الأول من المسلمين. في الواقع، لا يقصي الطابع التعظيمي للتراث الإسلامي بَعْدًا نقدِّيًّا خفيًّا، يدثر الصورة المقدسة النمطية، علمًا أن هذا البعد ليس حكرًا فقط على الأدبيات الشيعية، وهي التي نشأت وتطوّرت في صلب المعارضة السياسية وعلى هامش التاريخ الرسمي الذي فرضته دولة الخلافة السنية(١)؛ بل إن الرواية السنيّة نفسها تكشف لمَن يقرأها في العمق، وأكثر من مرة، عن أن التاريخ المقدّس لم «يظهر» بالكامل. فعلى سبيل المثال، إن استبصرنا في موقف صاحبي محمد، أبو بكر وعمر، خلال احتضار النبي والساعات الأولى التالية لوفاته، لوجدنا يعرض ذكرى الخليفتين الأولين للشبهات. إذ ثمة تفاصيل (خسيسة في بعض الأحيان)، بات اليوم مسكوتًا عنها، لم تُلَقَّ في المصادر المذكورة أعلاه أي تعديل ملحوظ يخفف من فظاعتها أو يجمّلها، وهذا ما يدل على أنها على درجة عالية من المصداقية. وما يعزّز موثوقيّة بعض المعلومات هو التطابق الغريب والمثير، الذي نلاحظه بين المصادر السنيّة والشيعيّة المشهورة، والتي يُعتقد عن خطأ أنها على طرفي نقيض. ونقاط التلاقي هذه وما تنتجه من مساحات. تقاطعية، هي التي يشعر الدارس أمامها بأنه أقرب ما يكون إلى نواة الحقيقة التاريخية.

وكما نوه به محمد – علي أمير معزي، تقتضي مصلحة البحث من واضعه تفحص «أرشيف المعارضة» التي «تبقى الإحاطة بها غير كافية»؛ ذلك أن «المزاعم الشيعية الحازمة والمكرّرة ليست فقط هَذْرًا صنعه القهر والإحباط نتيجة الفشل»(١). وعملاً بهذه التوصية، عقدنا في هذا الكتاب العزم على وضع السرديات السنية وتلك الشيعية الراوية لآخر أيام محمد في المقابلة والمقارنة. في المحصّلة، تكمن جِدَّة سرديتنا في عنصرين متلازمين: المقارنة غير المسبوقة بين المصادر السنية والشيعية، وكتابة سردية تراعي التسلسل الزمني للأحداث(٢). ذلك أن هذا الترتيب الزمني الذي نقترحه، يمكننا من فهم ما جرى خلال آخر أيام محمد وهو فصل أساسي في تاريخ نشأة الإسلام، كما يمكننا من تجاوز الطابع المبهم والمشتّت والمتناقض للمعطيات التي تعجّ بها المصادر الإسلامية. ومن هنا، نرى أن وضع الوقائع فوق الخط الزمني يجعلها منطقية وعقلانية تنطق بمفردها.

 

ندرك جيدًا أن كتابنا هذا قد لا يَنفُذ إلا إلى حقيقة تقريبية؛ ذلك أن البحث العلمي يتطلع إلى حقيقة هي كالأفق الذي يتراجع كلما تقدم الباحث في تقصيه. وفي نهاية المطاف، ليس وضع المؤرخ أقل يأسًا من وضع عالم الرياضيات الراكض وراء الكسور العشرية اللانهائية لرقم «باي»، التي يستحيل التنبؤ بها؛ وهو ليس أقل يأسًا من وضع الفيزيائي الذي يسعى إلى التقاط المادة ولا يجد إلا أشكالاً؛ فالمؤرّخ هو أيضًا لا يلتقط من التاريخ إلا شكلاً متحولاً وفي صيرورة دائمة، أي أنه لا يلتقط من التاريخ إلا التشابك اللامتناهي والممتدد لتمثلاته.

 

 

 

فهرس محتويات كتاب اخر أيام محمد – هالة الوردي 

توطئة: ارسم لي نبيًا
الفصل الأول: تبوك، آخر الغزوات
الفصل الثاني: مؤامرة العقبة
الفصل الثالث: موت إبراهيم، الابن المرجو
الفصل الرابع: حجة الوداع
الفصل الخامس: مؤامرة الصحيفة الملعونة
الفصل السادس: بَعْثُ أُسامَةَ
الفصل السابع: الجدران تتصدع
الفصل الثامن: بداية النهاية
الفصل التاسع: محمد وروايته العائلية
الفصل العاشر: الابنة والصهر
الفصل الحادي عشر: عائشة، الحميراء اللعوب المتوهجة
الفصل الثاني عشر: رؤية الخميس: الوصية التي لم تُكتب
الفصل الثالث عشر: مَنْ ذا الذي ناب عن الرسول في المسجد؟
الفصل الرابع عشر: أصل الداء: السم أم ذات الجنب؟
الفصل الخامس عشر: الرسول يموت
الفصل السادس عشر: كيف يموت وهو شهيد علينا؟
الفصل السابع عشر: جنازة محمد
الفصل الثامن عشر: المسلمون وذاكرة رسولهم
في الختام: موت رسول وولادة دين
وبعد… مسائل تأريخية
إفصاحات المصادر غير الإسلامية
في المصادر الإسلامية: كتابة التاريخ أو سرد حكايات؟
فهرس الأعلام بالتسلسل الزمني
فهرس المصادر والمراجع العربية
فهرس المراجع الأجنبية

 

اضغط هنا لتحميل كتاب كتاب اخر أيام محمد – هالة الوردي –  PDF

Posted in اسلاميات