القائمة إغلاق

كتاب شهود وشهداء – دكتور راغب عبد النور

كتاب شهود وشهداء – دكتور راغب عبد النور

كتاب شهود وشهداء دكتور راغب عبد النور
كتاب شهود وشهداء دكتور راغب عبد النور

كتاب شهود وشهداء – دكتور راغب عبد النور

 

مجدا للثالوث الأقدس الآب والابن والروح القدس
الإله الواحد آمين

عرض وتحليل
أصبح الحديث عن الشهداء .. في الأغلب الأعم ، حديثا له سمة القدم التاريخي .. الذي يضم التاريخ حوادثه بين سجلاته .. ومن هذه الزاوية كأننا نجد أنفسنا أمام قضية تاريخية .. لها ظروفها وملابساتها الخاصة – ونحرم هذه القضية من حق العمومية والشمول وهما الصفتين اللتين تجعلنا أمام التزام معالجة الموضوع ، ليس لأنه موضوع تاريخي نلتزم أمامه بدقة البحث والتحري ، فلنقتطع الصواب منه ونتنازل عن كل ما يتبرأ منه التاريخ ..

وفي تقديرنا الإيماني والحسي والعقلي ، فإن الموضوع أبعد جدا وأخطر أهمية من مجرد حوادث تاريخية ، فرضتها بعض الظروف على بعض الناس – أو جماهير المؤمنين من الناس ذلك لأن الإيمان بالمسيح الذي صلب ثم قام حياً، والشهادة لهذا الإيمان .. ثم الاستشهاد من أجل هذا الإيمان (أو حتى مجرد الاستعداد للاستشهاد من أجل الإيمان والشهادة) .. تشكل العمد الثلاثة، التي ترتبط ببعضها البعض، بحيث إذا تقوض أحدها، أو تعرض للفناء، فإنه في هذه الحالة، تتعرض المسيحية كلها للضياع أو يكون لها صورة التقوى وتفقد قوتها.
هذه القاعدة لا نستطيع أن نجد أو نخترع لها استثناء ويستوي أن يكون تطبيقها على مستوى الفرد أو على مستوى الجماعة – إيمان وشهادة واستشهاد – حلقات متصلة متشابكة، وفي اتحادها لا نستطيع حقيقتان أن تحققاً وجودا في غياب الثالثة لهما.
وقد كانت هذه الوحدة واضحة – وكشفت عن واقعيتها بعض الظروف، أو كانت كامنة، لأنه لم يستجد خارجها ما يكشف عن هذه الوحدة الفعالة .. لكنها في كل من الحالتين – الواضح أو الكامن – فإن هذه الوحدة كائنة دائما. ويصدق هذا التطبيق على التاريخ قديما، وأيضا يصدق على حاضرنا الذي نعيشه، كما أننا لا نتصوره إلا صادقا على ما يستجد من الأيام في المستقبل البعيد أو القريب.
ولا نتصور مسيحية نابضة بالحياة، دائبة الحركة، في حجمها الصغير تخمر العجين كله، وببذرتها الصغيرة تسمى شجرة وارفة الظل، إليها تأوي طيور السماء من كل اتجاه، لتمنى على أغصانها يغدغدها السلام وتشبعها عطاياها.

 هذه المسيحية التي لها هذه الميزات هي المسيحية النابضة بالحياة ، ودائبة الحركة ، لأنها مسيحية حية في إيمانها ، شاهدة له ، ومستشهدة لأجله.

ولئن كنا نعيب على بعض المرافق وجرد بعض الشمل أو بعض الفتور ، أو بعض التخلف ، أو القلوعة المرتجفة ، فإننا نعزو كل هذه الظواهر إلى أن هذه الوحدة المثلثة لم تعد وحدة ، ولم يعد لها وجودها الحقيقي ، وستطاع المجرب أن يخدعنا بأكثر من عذر ، فيبرر لنا تنازلنا عن أحد الأركان أو عن جميعها.

لذلك عز علينا أن جعلنا للاستشهاد المسيحي زمنا معينا حصرناه فيه وقيدناه ، وجعلنا له تاريخ بداية وتاريخ نهاية . والحق يقال أن الاستشهاد المسيحي هو جزء من وجود الكنيسة ولا تستطيع الكنيسة أن تكتسب صفة الاستمرار والديمومة الا لأن الاستشهاد فيها ، له فيها ، كل يوم صورة من الصور.

على أنني أجد نوعا من التوافق والتشابه بين احتفالنا بيوم الجمعة العظيمة وبعيد النيروز ، وفي نفس الوقت لست أتجاهل الفرق العظيم بين الرب القدوس المصلوب ، وبين كل جماهير الشهداء في كل العصور . فرب المصلوب هو الإله الذي تجب له العبادة والسجود ، أما الشهداء فهم سحابة الشهود الذين نعظمهم ونمجدهم ونسألهم الصلاة من أجلنا . لكننا لا نتطرف في التعظيم والتمجيد فتحوله إلى نوع من العبادة • لأننا في هذه الحالة نقع في الخطية والخلط .

لكن لا أريد أن أبينه واضحًا جليًا أن يوم الجمعة العظيمة، هو اليوم الذي قبل فيه الرب المجيد من أجلنا صليب العار، وباحتفالنا بعيد النيروز أو عيد الشهداء فإننا نقدم للناس كيف يكون الوفاء من جهة الإنسان من نحو الرب المصلوب في أبشع طريقة اخترعها الأعداء كطريق للأداء . لكن الشهيد – مشبعا قلبه بمحبة فاديه – لم تكن بشاعة الوسائل واردة في تفكيره ، ولا هي قدرة على أن ترجعه عن إيمانه الشاهد لابن الله الوحيد .

والآن ينبغي علينا ألا ننسى ، أن الصليب الذي اختاره الرب لنفسه أسلمه للكنيسة وديعة ، ليكون هذا الصليب هو نصيبها المحبوب في كل الأجيال والعصور . ونحن أمام هذا التكليف ، ليس لنا خيار ، بل علينا أن نقبل الصليب في حياتنا ، بجذوره التاريخية وبتكاليفه الواقعية – كما نسهر في الروح منتظرين مجيء ابن الإنسان ، وسوف تفرح قلوبنا إذ ترى علامة ابن الإنسان في السماء – أي الصليب – يحتل مكان الشمس اشراقا ولمعانا .

 

اضغط هنا لتحميل الكتاب PDF

Posted in روحية