كتاب تأملات في الميلاد الثاني – الأنبا بيمن

محتويات الكتاب
كتاب تأملات في الميلاد الثاني – الأنبا بيمن
مكتبة المحبة
مقدمة
هذا المقال محاضرة ألقاها صاحب النيافة الأنبا بنيامين أسقف ملوى وتخومها، على الشباب الجامعى، ليعرض الجوانب اللاهوتية والعقيدية بأسلوب عصري مبسط تتكامل فيه الروحيات مع الإيمانيات، والاجتماعيات مع اللاهوتيات.
وإنه من الطبيعي أن تتحد هذه الجوانب سويًا، لأن اللاهوت في كنيستنا ليس مجرد دراسة أو بحث، وإنما هو أولا وقبل كل شيء حياة الله فينا.
وقد بدأنا هذه السلسلة من المقالات بسر المعمودية لأنه هو باب الدخول الى الملكوت. وكما هو سر الخليقة الجديدة ويسرنا أن يظهر هذا الكتاب في عيد الغطاس المجيد، وأبونا السماوي الذي أعطانا عزاء أبديًا ورجاء صالحًا بالنعمة، قادر أن يثبت كل عمل وخدمة لمجد اسمه القدوس آمين.
الناشر
أحد التناصير ١٩٧٧
١٨ برمهات ١٦٩٣
٢٧ مارس ١٩٧٧
** المعمودية أمر إلهي
كما أمر الرب بتأسيس عشاءه الأخير، عندما قال لتلاميذه: “خُذُوا كُلُوا هَذَا هُوَ جَسَدِي، خُذُوا اشْرَبُوا هَذَا هُوَ دَمِي” ، جسدي مأكل حق، ودمي مشرب حق، هكذا أيضاً أمر بتأسيس سر المعمودية إذ قال: “دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ، فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ” (مت ٢٨: ١٨ ، ١٩) “مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ” (مر ١٦: ١٦).
فالمعمودية إذن أمر إلهي لازم التنفيذ، يسري على جميع البشر كباراً وصغاراً على السواء، تلتزم به الكنيسة في كل زمان ومكان، وبدونه لا يتم الخلاص للإنسان مهما كان بره الشخصي وحسن خليقته.
والسؤال المطروح الآن هو:
لماذا جعل الرب المعمودية أمراً محتماً؟؟
المعروف أن المعمودية لازمة لأنها تخلصنا من الخطيئة الأصلية، خطيئة أبوينا الأولين آدم وحواء، فداود النبي يقول: “بالآثام حبل بي، وبالخطايا اشتهتني أمي” … وبولس الرسول يقول: “الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ” ليس مَنْ يعمل الصلاح ليس ولا واحد.
ونحن نريد أن نعمق هذا المفهوم أكثر، فالخطيئة آدم الأول لم تكن العصيان فقط، ولكنها كانت انحرافاً أيضاً عن النموذج الذي وضعه الرب في الجنة من حيث علاقة الإنسان بالله، وعلاقته بنفسه، وعلاقته بالآخرين، وعلاقته بالكون.
فالعلاقة التي أرادها الثالوث القدوس لآدم هي حياة الشركة، حياة الحب والفرح والمجد الذي يحيـا فيه الله.
إنه يريد
آدم
أن يحيـا متجهًا نحو الله، فينهل بالهبة الإلهية أن يحتفظ بالصورة التي خلق عليها من حرية وقداسة وإبداع.
ويريد له أيضاً أن يحيـا في وحدة مع نفسه متمتعاً بكل القدرات الروحية والفكرية والنفسية والجسدية التي وهبه الله إياها، أي أن يحيـا إنسانيته بكل ما لهذه الكلمة من معنى.
ويريد له أيضاً أن يحيـا في شركة مع الآخر، هي شركة الحب والألفة .. فيكون مع حواء والنسل الذي يأتي منهما في وحدة الحب على شبه وحدة الحب التي بين الأقانيم الثلاثة. هذه الوحدة الفريدة التي لا تعرف الانقسام أو الانفصال عن التباعد.
ويريد له حياة التعامل مع الكون والمادة من خلال محبة الله وفيض عطاياه، ليكون كاهن الخليقة المادية كلها ينوب عنها في تقديم التسبيح والشكر له، ويسود عليها ويسميها بأسمائه، ويأكل من كل الشجر فيما عدا شجرة معرفة الخير والشر. أي أنه يريد أن تكون معرفته من خلال الطاعة للوصية، لا أن يحيـا في ذاته عارفا الخير والشر، فيسقط حتماً في الشر وينفصل عن الله، لأن الله لا يسكنه شر أبداً إن هو نور لا يدنى منه، ولا تستطيع الظلمة أن تدركه.
فالله بارك العالم، وبارك الإنسان، وبارك اليوم السابع، وهكذا معناه أنه ملأ كل الكائنات بمحبته وصلاحه، وخلق كل شيء حسناً، فـالاستجابة الطبيعية للإنسان الذي أعطاه الله هذا العالم المبارك، هو أن يبارك الله بدوره ويشكره ويرى العالم كما يراه الله … فكل القدرات الفكرية والروحية التي ميزت الإنسان عن سائر المخلوقات تتركز وغايتها في هذه الإمكانية التي هي أن يبارك الله ويشكره، ويمارس عمله الكهنوتي في تقبل العالم من الله وتقديمه إليه .. ولكن الإنسان الطبيعي الساقط يرى العالم هدفاً في حد ذاته، والعالم لا معنى له إلا ما كيان سراً لـحضرة الله، والكون متى انعزل عن مصدر الحياة أصبح ماتياً، والحياة بعيداً عن الله إنما هي مجرد مظهر للحياة، والطعام الذي يظن الإنسان بجهده أنه قوام حياته ينتهي به إلى التراب “لأنك من التراب وإلى التراب تعود، فقد فقد الإنسان الحياة الأفخارستية، فقد جوهر الحياة ذاتها والسلطة على تحويل العلاقة مع العالم الى حياة، فانتفي كونه كاهنا للعالم وأصبح بعيدًا له. فالسقوط ليس في أن الإنسان فضل العالم على الله فقط، بل انه جعل العالم ماديا في حين أنه كان يجب أن يحوله الى حياة شركة مع الله ويملأه معنى وروحا.
وكان من نتائج الخطيئة والعصيان أن تمزقت الشركة التي بين الإنسان والله، فصار الإنسان خائفًا من المواجهة في الجنة، والخوف علامة ضياع الثقة ودلالة فقدان الحب. وتمزقت العلاقة بين الإنسان ونفسه، فصار نهبًا للأمراض النفسية والاجتماعية والجسدية، وتمزقت العلاقة بينه وبين الآخرين، فاضحت علاقته مع حواء علاقة سيطرة الرجل على المرأة، وتخوف المرأة من الرجل مع اشتهاء والسعي نحوه. وأما علاقته مع الكون والمادة، فقد تغيرت تماما اذ صار الكون سببا لشقائه، ومذاق الطعام أضحت عنصرا أساسيا في تعبه وأوجاعه وأمراضه ولكن الله من محبته الكثيرة لنا، ونحن خطاه في علاقات منحرفة عن مجراها الأصيل، أراد أن يعيد لنا ما وضعه من نموذج في الجنة، فتجسد وصار إنساناً مثلناً في كل شيء، ما عدا الخطيئة وحدها، وعاش في وحدة الحب مع الآب طائعاً لمشيئته، وعاش في ألفة مع نفسه هي وحدة الحق الذي يمارسه ويعلنه، وعاش في حب مع الجميع حتى الذين أبغضوه بلإساءة وصلبوه بلا مبرر، وتعامل مع المادة من خلال طاعة الآب ومحبته وشكره على عطاياه. فقد رفض أن يحول الحجر خبزًا لكي يأكل من يد الشيطان وتحت إغرائه، بينما اكل مع الجموع عندما بارك الخمس خبزات والسمكتين، وشكر وقسم وأعطي التلاميذ ليطعموا الآخرين الذين زاد عددهم عن خمسة آلاف.
وعندما أسس سر الأفخارستيا، أخذ خبزًا وعصير الكرمة
ورفع عينيه الى فوق، وشكر، وبارك، وقسم وذاق، وأعطى بعد ان حول الخبز الى جسده الطاهر، والخمر الى دمه الكريم. وهكذا أصبح التعامل مع المادة من خلال حياة الشكر وحياة البركة وحياة الشركة مع الله ..
هذه العلاقة الجديدة سواء بالنسبة للإنسان مع الله، أو بالنسبة للإنسان مع نفسه، أو بالنسبة للإنسان مع الآخرين ومع المادة والكون تحتاج الى إنسان جديد، الى بنيان جديد، الى حياة جديدة، الى طبيعة جديدة، ليست كالطبيعة القديمة الساقطة المتمركزة في الذات، والتي تدور حول الشهوة والغضب، والتي لا تمجد الله ولا تشكره، وانما تحيا في تمجيد الأنا بالسبح الباطل، وبالتذمر والقلق لعدم وجود استقرار داخلي وسلام باطني.
من اجل هذا الإنسان الجديد، والطبيعة الجديدة وضع الرب يسوع سر المعمودية..