أساطير حول المتغيرات النصية – لماذا تعد أغلب المتغيرات غير مهمة ولماذا لا يمكن تجاهل بعضها ؟ بيتر جوري – ت جرجس مخلص

محتويات الكتاب
أساطير حول المتغيرات النصية – لماذا تعد أغلب المتغيرات غير مهمة ولماذا لا يمكن تجاهل بعضها ؟ بيتر جوري – ت جرجس مخلص
لقد وصلنا نص العهد الجديد عبر آلاف النسخ، مصحوبةً بآلاف الفروقات النصية. وهذه حقيقة أساسية لا يختلف عليها أحد. إلا أن هذه الفروقات تثير إشكالية واضحة لدى من يؤمنون بأن العهد الجديد يشكل أساس الإيمان بيسوع المسيح، إذ إن معرفتنا بيسوع تستند في المقام الأول إلى كتابات العهد الجديد. وإذا لم نكن نعرف على وجه الدقة ما تقوله تلك الكتابات، فلا جدوى من الجدل بشأن مدى صحة ما تقرره.
لهذا، شكّلت الاختلافات النصية بين مخطوطات العهد الجديد محورًا دائمًا في النقاشات حول مصداقية الإيمان المسيحي. ومع ذلك، فإن قراءة الأدبيات الحديثة تكشف عن وجود رأيين مختلفين تمامًا حول عدد هذه الفروقات ومدى أهميتها. خذ على سبيل المثال بارت إيرمان (Bart Ehrman)، الذي بدأ يشك في فترة دراسته اللاهوتية في إمكانية الوثوق بنص العهد الجديد… كان (إيرمان) يقول أنه، حتى لو أوحي الله بالكلمات الاصلية للعهد الجديد فنحن بأي حال من الأحوال لا نستطيع أن نحصل على تلك الكلمات الاصلية. ومن هنا استنتج أن “مبدأ الوحي كان، إلى حد ما، غير ذي صلة بالكتاب المقدس كما هو بين أيدينا، لأن الكلمات التي يُقال إن الله أوحى بها قد غُيِّرت، وفي بعض الحالات فُقدت.” باختصار، خَلُصَ (إيرمان) إلى أنّ عدد المتغيرات النصية كبير جدًا بحيث لا يمكن تصديق مزاعم الكتاب المقدّس حول وَحْيِهِ الذاتي.
من ناحية أخرى، من الشائع أن نجد كُتّابًا مسيحيين يرون أن الاختلافات النصية لا تُشكّل تهديدًا حقيقيًا للإيمان المسيحي بوحي الكتاب المقدس، وذلك لأن “أكثر من 99٪ من كلمات الكتاب المقدس نعلم على وجه اليقين ما قالته المخطوطات الأصلية”، وأن “لأغلب الأغراض العملية، فإنّ النصوص الاكاديمية المنشورة حاليًا للعهد القديم العبري والعهد الجديد اليوناني تُطابق المخطوطات الأصلية.”
أحيانًا يُستخدَم هذا الرقم القريب من الكمال بطريقة معكوسة، بحيث يُقال إنّ 99% من جميع المتغيرات غير مهمّة، بدلًا من القول إنّ 99% من الكلمات الأصلية معروفة بدقة، وهو معيار مختلف قليلًا.
في كلتا الحالتين، تنطبع الفكرة بأنّ المتغيرات النصية —رغم شكوك (إيرمان)— لا تُشكّل أي تهديد حقيقي لثقة المسيحيين بالكتاب المقدّس، وبحسب تعبير (ماثيو باريت)، فإنّ أي غموض نصي تطرحه اختلافات المخطوطات لدينا هو “دائمًا في أمور غير مهمّة، ولا يتعلّق أبدًا بالعقيدة المسيحية أو مصداقية النصّ الكتابي.”
لكن أي من هذين الرأيين المتعارضين هو الصحيح؟ هل قضية وحي الكتاب المقدس باتت بلا جدوى لأن النص الأصلي ضاع وسط غياهب الزمن؟ أم أنه لا داعي للقلق لأن طَبَعاتِنا الحديثة تتطابق مع النص الأصلي في 99٪ من الحالات؟