كتاب في مدح القديس بولس – القديس ذهبي الفم

محتويات الكتاب
كتاب في مدح القديس بولس – القديس ذهبي الفم
في مدح القديس بولس الرسول لأبينا الجليل في القديسين يوحنا الذهبي الفم)
سبعة خطابات
تعريب القارئ يوحنا
مكتبة السائح طرابلس – لبنان
مصدر الترجمة Jean Chrysostome – Panégyriques de Saint Paul – Sources Chrétiennes 300 – Cerf, Paris, 1982.
إيقونة الغلاف القديس يوحنا الذهبي الفم عندما رآه تلميذه خلسة وهو داخل قلايته يكتب فيما يهمس الرسول بولس في أذنه ملقناً ومفسراً.
وعلى الغلاف الخلفي صندوق ذخيرة هامة القديس يوحنا الذهبي الفم ومنه تبدو الأذن التي كان الرسول بولس يهمس فيها. هذه الذخيرة المقدسة موجودة في جبل آثوس – دير الفاتوبيذي)
طبعة أولى ٢٠١٠
مقدمة
من عمق الخبرة ينجلي صدق الخبر، ومن سطحيتها التباسه، فكيف إن كان الخبر نابعاً ممن بلغ في الخبرة شأواً لم يدركه أحد ؟ عند المنغمسين في الدنيا، إنما يصير الخبر فرصةً إما للتخريب، عبر الثرثرة والإشاعة والوشاية والقدح والذم والدس والتجريح والتأليب فالتفريق؛ وإما للتبخير”، عبر التملق والتودد والتذلل والاسترضاء والاستجداء والاستقواء والاستزلام والاستسلام فالأمجاد الباطلة؛ وإما لمجرد التخبير ، عبر السرد الجامد الذي قد لا يرغب صاحبه في المواكبة والتعاطف وتوخي المنفعة المعنوية له وللآخرين، وإن رغب مستمراً وفقاً لأحكام هذا العالم – تحولت المواكبة عنده إلــى هـوس والتعاطف إلى شطط فضلاً عن توخي المنفعة المادية فحسب دونما اكتراث لأية منفعة روحية. أما عند القديسين، فالخبر فرصة لتمجيد التدابير الإلهية في كل حال، ولتعمير النفوس المستعدة عبر كل وسائل التعليم، طبعاً بعد الاختبار الشخصي والخبرة في الرب. ذلك أن القديس يتحدث من فيض ما في قلبه الذي طهره الروح القدس واستراح فيه، فلا يعود يخبر إلا بوحي يسترعي الأسماع ويجتذب الألباب ويستقطب الأذهان، لبنيان الأوفياء وحدهم، دوماً. والمقصود بالأوفياء أولئك الذين يعرفون قدرهم فلا يعتدون، ويطلبون النمو فلا يتذمرون على طريقة التغذية
ويؤازرون عمل النعمة فلا يجادلون الروح الذي يعلم. إنهم بنو الآباء القديسين باختصار، والذين لا يكفون عن المحاولة رغم إخفاقاتهم الناجمة عن الضعف أو الكسل، بغية التشبّه بمن شابهوا المسيح المخلص الأوحد، الذي لا ينفك داعياً إلى قافلة الخلاص وداعماً في طريق الحياة كل من يسمعه ويُطيعه، هنا والآن، كما فعل بكل من قدسهم وحولهم إلى “خبر” عظيم فاعل ينبّه الشاردين ويهز الغافلين ويوقظ الخاملين ويحــــث الفاترين ويحفز المجاهدين ويدعم المثمرين ويصون الكاملين، بقدرة القدوس الذي فيهم. أوليس هذا ما تفعله أخبار القديسين في النفوس؟ ومما لا ريب فيه أنّ المضمون المنقول يكون أكثر نفعاً لمتلقفيه كلما جاء في أسلوب مُحكم يعرف كيف ينتقي المفردات ومتى وإلى أي حد. فهل ثمة أفضل من فم علمته النعمة الإلهية فجعلته منجم تبر نفيس، ليمْدَح الإناء الذي اصطفاه الله بغية سكب تعليمه الصافي في البشر؟ ذلك أن قامةً كهذه كان يلزمها ذاك الفم ليتحدث في شأنها، سيما وأن ما من أحد استطاع الالتصاق بالرسول بولس العظيم كما فعل أبونا الجليل في القديسين يوحنا الذهبي الفم، الذي صار له عشيراً أنيساً ملازماً متتلمذاً، فعكف على التأمل في شخصيته وعلمه حتى بات أقرب الآباء إليه. كيف لا والرسول نفسه من كان يُملي عليه التفاسير في شأن سيرته ورسائله؟ ومن هذه الحميمية المقدسة تدفق نهر لا يزال يروي شعاب الكنيسة، ساقياً العقول العطشى إلى الفهم الروحي، ومنيراً بضياء التعليم السامي أفئدة المؤمنين، عبر الكثير من المؤلفات الذي دأب العسجدي الكلام من خلالها على توضيح ما عَسُر إدراكه من المعاني بالنسبة إلى فكرنا الغليظ، السريع الجنوح إلى التأويل في معظم الأحيان، والذي لا يمكنه بلوغ الحق إلا بقوة النعمة الإلهية وبقدر ما يتضع أمامها.
ولقد عرف القديس يوحنا الذهبي الفم، بفعل هذه النعمة، كيف يمدح الرسول بطريقة بناءة ترمي إلى تحفيزنا نحن أيضاً في درب الكمال، سيما وأن من اجترحت فيه العظائم كان إنساناً ضعيفاً مثلنا. بيد أن هذا الإناء الخزفي السريع العطب قد استوطنت فيه قوة الله، التي حولت ضعفه إلى مصدر قوة لكل من يعون ضعفهم ويستنجدون بالرب القدير عبر قديسيه. لذلك، وعلى الرغم من تعذر الاقتداء الكامل بتلك القامة الاستثنائية، فثمة مائدة حافلة بالمنافع الروحية لننهل منها ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، حسبما يحتنا “معلم” الأمم الذي كان قد دعانا إلى الاقتداء به، كما اقتدى هو بالمسيح الإله (اكور (۱:۱۱) ، وحسبما يُحرضنا أيضاً أمين سره في هذه الخطابات العسلية، على رجاء أن نُحلّي بها مرارة وضعنا الروحي المأساوي، علنا ننهض من توانينا، الذي ندعمه في عصرنا بحجج واهية ليبقى، بدلاً من القضاء عليه، بدلاً من قيامنا بالرسالة التي ألقيت على عاتقنا من قبل الربّ القائل “أنتم شهود لي”.
ولكن، كيف نكون شهوداً له ورسلاً إن كنا نتخاذل متذرعين أن الفرصة الآن لم تعد مؤاتية؟ أولسنا نتراجع عن إكمال دورنا التبشيري بحجة احترام الديانات” الذي بات مسيطراً في ثقافة العلمنة المعاصرة؟ أولسنا نخشى المجاهرة بكرازتنا المسيحية في العديد من الظروف، لئلا نخسر عملاً ربما، أو رفيقاً، أو منصباً، أو فرصةً للكسب المادي، أو بداعي تقاعسنا وجهلنا أصول البشارة فحسب؟ هذا مع العلم أن لا دين “سماوي” إلا واحد، لأن لا إله إلا واحد، والذي لا يمكنه أن يتناقض مع نفسه، وهو الذي تجسد في آخر الأزمنة متمّماً الناموس والأنبياء (متى ١٧:٥)، وأمرنا بحمل حقيقته في كل أن ومكان ولكل النـاس علـــى اختلاف معتقداتهم، عبر القدوة الحميدة دوماً والاعتراف به دونما خوف، لكن بحكمة تأتينا من لدنه بحسب وعده، حكمة تعرف اختيار الوقت المناسب للكلام أو للصمت، لا بحكمة دنيوية تجعل ما تخبر به ضرباً من الأمور المستحيلة عند السامعين وفرصةً للجدال الذي لا معرفة فيه ولا جدوى. لقد قال القديس الممدوح في هذا الكتاب: “الويل لي إن لم أبشر ( كور ١٦:٩)، فرفع لواء هذه الضرورة واكتسح بها المسكونة، مروراً بأنطاكية، محترماً الكل ومبشّراً الجميع دون أن تصده أوهانه ولا كثرة المقاومين؛ بل وقد جعلته الاضطهادات المتنوعة التي كابدها أشد إصراراً على مواصلة المهمة، باستقامة ودون محاباة للوجوه، وسط الرسل والإخوة الكذبة مهما بلغت جسارتهم ومكائدهم. وذلك كله إنما كتب لتعليمنا، كما يقول (رو ٤:١٥) ، لكي نقتفي الأثر على غرار من اقتفوا أثر السيد الطاهر وحده، وباتوا “خبراً” مدوياً هز أرجاء التاريخ وصولاً إلينا.
فعسانا نهب نحن أيضاً لنتابع مسيرة تلك النار التي ألقاها الرب على الأرض (لو ٤٩:۱۲) ، والتي يود أن تضطرم فينا نحن أيضاً لنكون دفء جذاباً في هذا العالم الجليدي ونوراً هادياً لكل من يشعر في قرارة نفسه بظلمة هذا الدهر ويلتمس النجاة من عواصفه، غير مستحين بكلمة الرب وبصليبه، بل عاملين بلا انقطاع على انتهاج طريقه الخلاصي الزاخر بذاك الألم الذي يولد المجد الأبدي، وتواقين إلى جعله هو حياً فينا لا نحن على نحو ما عمل وعلم رسولنا (غلا ۲۰:۲)، الذي لم ولن يعرف أحد أن يمدحه كما فعل أبونا القديس يوحنا، هذا الذي تباركت أنطاكية أيضاً بولادته وكهنوته وعيشته النسكية المباركة.
فبشفاعاتهما أيها الرب يسوع المسيح إلهنا ارحمنا لأننا خطأة ومقصرون، وأرشدنا إلى حقك لأننا متقاذفون في دوامة هذا العمر، وزودنا بكل ما يجعلنا أهلاً لدعوتنا لأننا أعجز من أن نصنع ذلك بمفردنا، يا رسول الرأي العظيم، فخر الرسل والقديسين قاطبة، معلم المعلمين، لكي نكون كما أردت وأمرت دوماً أن نكون، مخبرين وعائشين بوصاياك، مسبحين اسمك القدوس بلياقة ملتزمة صادقة، وممجدين سُجَّداً لعزتك التي لا تستقصى رفعتها، أنت المبارك مع أبيك السرمدي الذي أرسلك إلينا مخلصاً فجعلتنا للخلاص رسلاً، وروحك القدوس الذي بثقه وأرسله إلينا فيك معزياً وعاضداً فدفقته علينا لديمومة بشرى حياتك في البشر، يا مطهر ومنير ومؤله كياناتنا، إلى دهـــر الداهرين، آمين. بعون الله
(المعرب)