كتاب الخريستولوجي الأرثوذكسي – الأب بيتر فارينجتون

محتويات الكتاب
كتاب الخريستولوجي الأرثوذكسي – الأب بيتر فارينجتون
الخريستولوجيا الأرثوذكسية
الأب بيتر فارينجتون
مراجعة لاهوتية شاملة لكتاب: “الخريستولوجي الأرثوذكسي” للأب بيتر فارينجتون
1. الاستهلال والمنطلقات المنهجية
يُعد كتاب “الخريستولوجي الأرثوذكسي” للأب بيتر فارينجتون وثيقة لاهوتية استراتيجية في سياق الحوار المسكوني المعاصر، حيث ينهض بمهمة تفكيك قرون من القراءات المغلوطة التي حاصرت التقليد المشرقي. ينطلق الكاتب من رؤية أكاديمية رصينة تعتبر أن الهوية “الكيرلسية” (نسبة للقديس كيرلس الإسكندري) ليست مجرد خيار لاهوتي، بل هي المعيار الأوحد والوحيد للأرثوذكسية المستقيمة، كما يؤكد المصدر (ص 10).
الهوية الخريستولوجية المشرقية يستخلص الكتاب جوهر النضال الذي خاضته الكنائس غير الخلقيدونية عبر العصور، مبرزاً أن “سر المسيح” لا يمكن استيعابه إلا من خلال وحدة شخصه وكمال طبيعتيه الإلهية والإنسانية في اتحاد حقيقي. هذا الفهم هو الأساس الذي تبني عليه هذه الكنائس هويتها ولأجله كافحت لتظل عقيدتها مصانة من أي شبهة خطأ، إيماناً بأن أي خلل في إدراك سر التجسد يؤثر بالضرورة على مسيرة الخلاص والاتحاد بالله.
المنهجية الأكاديمية والتمييز المصطلحي تميز الأب بيتر بمنهجية تجمع بين العمق البحثي وسلاسة العرض، مع استخدام مصطلحات لاهوتية دقيقة تفرضها مقتضيات الحوار اللاهوتي الحديث. فالمؤلف يشدد على استخدام مصطلح “المشرقية” (Oriental) للدلالة حصراً على العائلة الأرثوذكسية غير الخلقيدونية، تمييزاً لها عن الكنائس “الشرقية” (Eastern) الخلقيدونية (ص 11). هذا التمييز ليس مجرد ترف لغوي، بل هو ضرورة أكاديمية لتحديد المرجعيات الآبائية، خاصة عند تناول فكر القديس ساويروس الأنطاكي كشارح أمين ومؤتمن على الإرث الكيرلسي.
2. لاهوت القديس ساويروس الأنطاكي وكمال الناسوت (المقالات 1، 4، 5)
يبرز القديس ساويروس الأنطاكي في صفحات الكتاب كحارس يقظ للتقليد السكندري، وتمثل كتاباته “الترياق” اللاهوتي الفعال لمواجهة المعلومات المضللة. إن لاهوت ساويروس يمثل “تخليقاً إيجابياً” (Positive Synthesis) لا يكتفي برد الفعل على الهرطقات، بل يقدم صياغة متماسكة تحمي سر التجسد.
الطبيعة الواحدة المتجسدة للكلمة (Mia Physis) يشرح الكاتب بعمق مفهوم “الطبيعة الواحدة المتجسدة” كما صاغه ساويروس، مؤكداً أنه لا يعني تلاشي الطبيعة البشرية، بل يعني “الاتحاد الأقنومي” الذي يحفظ خواص كل طبيعة بلا اختلاط. وقد استخدم ساويروس مثال “اتحاد النفس والجسد” (ص 19) كنموذج كيرلسي أصيل؛ فكما أن الإنسان “واحد” من اثنين دون أن تفقد النفس أو الجسد خواصهما، فكذلك المسيح هو واحد من طبيعتين.
دحض الازدواجية والامتزاج: الوسط الذهبي قدم ساويروس طرحاً يمثل “الوسط الذهبي” الذي يتجنب تطرفين:
- رفض “الوجود المستقل”: ميز ساويروس بدقة بين “الأقنوم” كقائم بذاته وبين “الوجود المستقل” المرفوض بعد الاتحاد؛ فبينما يحتفظ اللاهوت والناسوت بخصائصهما، إلا أنهما لا يمتلكان مراكز وجودية منفصلة تقسم المسيح (ص 19، 22).
- تألم الله في الجسد (Theopaschism): يبرز الكتاب أن اختبار صدق الأرثوذكسية الكيرلسية يكمن في قبول حقيقة أن “الله الكلمة تألم بالجسد”. إن هذا التأصل اللاهوتي ليس جدلاً نظرياً، بل هو “محك الخلاص”؛ فإذا لم يكن الفاعل في الآلام هو الله الكلمة نفسه “طبيعياً” (بمعنى الأقنوم المتجسد)، فإن خلاصنا يصبح باطلاً (ص 28، 33).
إن الدفاع عن كمال الناسوت عند ساويروس كان ضرورة قصوى لمواجهة كل من “الازدواجية النسطورية” التي تفصل الأفعال، و”الامتزاج الأوطاخي” الذي يمحي حقيقة التجسد.
3. التقليد الأرثوذكسي في مواجهة الانحرافات الهرطقية (المقالات 2، 3)
لقد مارست الكنيسة المشرقية دوراً تعليمياً حازماً في تصفية الإيمان، حيث وقف آباؤها ضد كل أشكال الانحراف العقائدي، سواء كانت هرطقات صريحة أو “نسطورية مستترة”.
الحسم ضد أوطاخي و”الجنون” اللاهوتي يدحض الكتاب الفرية التي تتهم المشرقيين بالأوطاخية، مبيناً أن ساويروس اعتبر فكر أوطاخي “جنوناً” وبدعة تؤدي لامتزاج الطبائع (ص 21). إن الموقف الأرثوذكسي المشرقي يقف في “الوسط الذهبي”، رافضاً بقوة تلاشي الناسوت، ومتمسكاً بكون المسيح “واحداً من اثنين” بغير استحالة.
إشكالية إيباس أسقف الرها حلل الأب بيتر دلالة رسالة إيباس إلى ماري الفارسي، ومواقفه المعادية لحرمانات القديس كيرلس. إن إعادة قبول إيباس وثيؤدوريت في مجمع خلقيدونية كان البرهان العملي لدى المشرقيين على انحراف المجمع؛ فقبول أشخاص يحملون ميولاً نسطورية صريحة (ص 11) كان دليلاً على عدم استقامة المسار اللاهوتي للمجمع، مما جعل الرفض المشرقي موقفاً مبدئياً لحماية “وحدة المسيح”.
4. التاريخ الكنسي وإشكالات ما بعد مجمع خلقيدونية (المقالات 6، 7، 8)
يصف الكتاب السياق التاريخي للقرنين الخامس والسادس كمرحلة دفاع جوهري عن الإيمان المسلم. فالصراع لم يكن مجرد تجاذب سياسي، بل كان معركة لحفظ التقليد الآبائي من “الشرذمة” اللاهوتية.
البابا تيموثاوس أيلوروس: الحارس اليقظ يعمل الكتاب على تفكيك “الافتراءات التاريخية” (ص 14) التي طالت شخصية البابا تيموثاوس الثاني (أيلوروس)، معيداً تقديمه كحارس ساهر على التقليد الكيرلسي. فدفاعه لم يكن خروجاً عن الإيمان، بل كان استبصاراً لخطورة الصيغ الخلقيدونية التي رآها تراجعاً عن مقررات مجمع أفسس.
وثيقة الهينوتيكون: محاولة منقوصة للسلام حلل الكاتب وثيقة “الهينوتيكون” الإمبراطورية كمحاولة للوحدة، مبيناً موقف ساويروس الدقيق منها؛ فقد قبلها في البداية كخطوة “إمبراطورية للصلح”، لكنه وجدها لاحقاً غير كافية لأنها “تجاهلت” مجمع خلقيدونية وطومس ليو بدلاً من إدانتهما صراحة (ص 15، 16).
الأسباب العميقة لرفض مجمع خلقيدونية: يركز التحليل على ثلاثة محاور جوهرية لرفض المشرقيين للمجمع:
- طومس ليو وتقسيم الأفعال: يقتبس الكتاب العبارة الإشكالية في الطومس: “الواحدة [الطبيعة] تشع بالعجائب، والأخرى تقع تحت السباب” (ص 29)، وهو ما رآه المشرقيون تقسيماً صريحاً للفاعل الواحد، مشابهاً للمفهوم النسطوري.
- عبارة “في طبيعتين”: اعتُبرت هذه الصيغة “بعد الاتحاد” تهديداً لوحدة المسيح الأقنومية.
- الشرعية اللاهوتية: قبول الشخصيات ذات الميول النسطورية أضعف الثقة في مخرجات المجمع.
5. الخاتمة: كفاية التعليم الكيرلسي
في الختام، يبرهن البحث أن التعليم الأرثوذكسي المشرقي هو الامتداد الأمين والشرعي الوحيد للاهوت القديس كيرلس الإسكندري. إن استقامة الفكر غير الخلقيدوني تكمن في قدرته على الحفاظ على التوازن الدقيق لسر التجسد دون انزلاق نحو التقسيم أو التلاشي.
الخلاصة اللاهوتية (بيان الإيمان): نؤكد مع آباء الكنيسة المشرقية والتقليد الكيرلسي الصافي أن: “المسيح واحد، إله كامل وإنسان كامل، بغير اختلاط، ولا امتزاج، ولا تغيير، ولا تقسيم”. إن هذا الإيمان هو المنارة التي تضمن حقيقة خلاصنا، مؤكدين أن الوحدة الحقيقية تكمن في العودة إلى هذا المنبع الأصيل الذي يحفظ كرامة اللاهوت وتمام الناسوت في شخص الكلمة المتجسد الواحد.
محتويات الكتاب:
مقدمة الناشر
المقالة الأولى: الخريستولوجية الأرثوذكسية لساويروس أسقف أنطاكية
المقالة الثانية: أوطاخي والتقليد الأرثوذكسي الشرقي
المقالة الثالثة: نظرة أرثوذكسية لإيبايس أسقف إديسا
المقالة الرابعة: ناسوت المسيح
المقالة الخامسة: الأقنوم في فكر ساويروس الأنطاكي
المقال السادس: تيموثاؤس بابا الإسكندرية
المقال السابع: الأرثوذكسية في القرنين الخامس والسادس بعد خلقيدونية
المقالة الثامنة: الرفض الأرثوذكسي الشرقي لمجمع خلقيدونية
إصدارات إبيفانيا